محمد حسين الذهبي

427

التفسير والمفسرون

الذي هو فلك الأفلاك ، ويذكرون أن اللّه تعالى هناك ، وعليه لا على حلول ، كما بين أرسطو في آخر كتاب سماع الكيان . والحكماء المتشرعون اجتمعوا على أن المعنى بالعرش هو هذا الجرم . هذا . . وقد قالوا : إن الفلك يتحرك بالنفس ؛ لأن الحركات إما ذاتية وإما غير ذاتية . والذاتية إما طبيعية ، وإما نفسية ، ثم بينوا أن نفسها هو الناطق الكامل الفعال ، ثم بينوا أن الأفلاك لا تفنى ولا تتغير أبد الدهر ، وقد ذاع في الشرعيات أن الملائكة أحياء قطعا ، لا يموتون كالإنسان الذي يموت ، فإذا قيل إن الأفلاك أحياء ناطقة لا تموت ، والحي الناطق الغير الميت يسمى ملكا ، فالأفلاك تسمى ملائكة ، فإذا تقدم هذه المقدمات وضح أن العرش محمول على ثمانية ، ووضح تفسير المفسرين أنها ثمانية أفلاك . والحمل يقال على وجهين : حمل بشرى ، وهو أولى باسم الحمل كالحجر المحمول على ظهر الإنسان ، وحمل طبيعي كقولنا الماء محمول على الأرض ، والنار على الهواء ، والمعنى هنا الحمل الطبيعي لا الأول . وقوله : يومئذ ، والساعة ، والقيامة ، فالمراد بها ما ذكره الشارع : أن من مات قامت قيامته . ولما كان تحقيق النفس الإنسانية عند المفارقة آكد جعل الوعد والوعيد ، وأشباههما إلى ذلك الوقت « 1 » ) اه . كذلك نجد ابن سينا يفسر الجنة والنار والصراط تفسيرا فلسفيا بعيدا عن المأثور الثابت الصحيح ، فيقسم العوالم إلى ثلاثة أقسام : عالم حسي ، وعالم خيالي وهمى ، وعالم عقلي . والعالم العقلي عنده هو الجنة ، والعالم الخيالي هو النار ، والعالم الحسى هو عالم القبور . أما الصراط فيقول في شرحه : ( اعلم أن العقل يحتاج في تصور أكثر الكليات إلى استقراء الجزئيات ، فلا محالة أنها تحتاج إلى الحس الظاهر ، فتعلم أنه يأخذ من الحس الظاهر إلى الخيال إلى الوهم ، وهذا هو من الجحيم طريق وصراط دقيق صعب حتى يبلغ ذاته العقل ، فهو إذا يرى كيف الحد صراطا وطريقا في عالم الجحيم ، فإن جاوزه بلغ عالم العقل ، فإن وقف فيه وتخيل الوهم عقلا ، وما يشير إليه حقا ، فقد وقف

--> ( 1 ) رسائل ابن سينا ص 128 - 129 .